إن ابيضاضَ الدم النِّقوي المزمن (Chronic myelocytic leukemia - CML) هو مرض الذي فيه الخلية التي تتحول إلى خلية سرطانية هي خلية جذعية في النخاع العظمي، والتي تتطور منها كل خلايا الدم. إن نسبة الإصابة في الـ CML هي 1: 100000 ويشكل 10 % - 15% من كل أنواع اللوكيمْيا وسط البالغين. توجد هنالك ميزتان لهذا المرض: وجود الصبغي فيلادلفيا، وسيرورة ذات 3 مراحل، المرحلة المزمنة، المرحلة المتسارعة، والمرحلة الأَرومية (Blast). تعكس هذه المراحل تقدم المرض الخبيث.

المرحلة المزمنة:

إن غالبية المرضى مشخصون في المرحلة المزمنة للمرض. يكتشف المرض لدى 20%-30% من المرضى عن طريق الصدفة، عند إجراء فحص عَدٍّ دموي شامل روتيني، الذي نرى فيه ارتفاع عدد خلايا الدم البيضاء في الدم. توجد علامات أخرى في المرحلة المزمنة:

تضخم الطحال، لدى 86%-90% من المرضى. يمكن أن يكون التضخم عديم الأعراض أو مصحوبًا بآلام في البطن من جهة اليسار العليا. عندما يكون الطحال متضخمًا بشكل كبير قد نرى شعورًا بالشبع المبكر أو احْتِشاءات في الطحال.

فقر الدم (Anemia)

تضخم الكبد:

أعراض أخرى: الوَهَنُ العام، فقدان الشهية وانخفاض الوزن، التَّعَرُّق وحرارة منخفضة.

يكون عدد الخلايا البيضاء(Leukocytes) أحيانًا، مرتفعًا جدًّا، لدرجة قد تؤدي إلى انسداد الأوعية الدموية الصغيرة، وهذا يضم ظهور تَصَلُّبَ العضو الجنسي بشكل دائم.

تستمر المرحلة المزمنة بالمعدل 3-4 سنوات، ولكنها يمكن أن تستمر بعض الأشهر وحتى سنوات كثيرة. 

المرحلة المتسارعة:

إنه كما في كل الأمراض السرطانية الأخرى، فأيضًا في ال CML يمكن أن يتطور المرض. يكون التطور في حالة ال CML للنوبة الأرومية، كما سيفصل بعد ذلك، تعتبر ابيضاضَ دم حاد. تتطور المرحلة المزمنة أحيانًا، مباشرة إلى المرحلة الأرومية، ولكن في أغلب الأحيان هنالك مرحلة سابقة لها، التي يشعر فيها المريض بآلام في العظام، حُمَّى، انخفاض الوزن وغيرها من الأعراض. تدعى هذه المرحلة، المرحلة المتسارعة وهي تتميز بالتالي:

- ارتفاع غير مراقب في عدد خلايا الدم البيضاء (Leukocytes)

- فقر الدم و/أو انخفاض عدد الصَّفيحات بدون استجابة للعلاج

- تضخم الطحال بشكل سريع

- ظهور حوالي 10% خلايا خبيثة في النخاع العظمي

يمكن أن تستمر هذه المرحلة بضعة أسابيع حتى بضعة أشهر، وهي مؤشر على التطور إلى المرحلة النهائية من المرض التي تدعى النوبة الأَرومية.

النوبة الأَرومِيَّة:

إن النوبة الأرومية هي عبارة عن ابيضاض دم حاد، ويظهر لدى 75%-85% من المرضى. يوجد في كل سنة، احتمال بنسبة 25% أن يتطور المرض، لدى مريض معين، إلى هذه المرحلة. إن هذه المرحلة معرّفة كوجود أكثر من 30% خلايا سَرَطانِيَّة في الدورة الدموية أو في النخاع العظمي؛ هنا يمكن أن نرى خلايا سرطانية من كل أنواع الخلايا في الدم، لأنه كما ذكر سابقًا، الخلية التي تتحول إلى خلية سرطانية هي خلية جذعية التي من الممكن أن تتطور إلى عدة أنواع من الخلايا. إن مآل المرض (Prognisis) سيءٌ جدًا، والبقاء على قيد الحياة هو فقط لمدة 3-6 أشهر. 

الصِّبْغي فيلادلفيا (Philadelphia chromosome):

اكتشف نويل وهانغفرد من فيلادلفيا في سنة 1960، لدى كل مرضى الـ CML صِبْغِيًّا (صِبْغي/كروموزوم) أصغر من المعتاد، وسمياه صِبْغي فيلادلفيا. أثبتت جانيت راولي في سنة 1973، أن هذا الصبغي الصغير هو صبغي 22، وجزء كبير منه انتقل إلى صِبْغي 9. ووجدت أيضًا أن الانتقال متبادل، وأن جزءًا من صِبْغي 9 أيضًا، ينتقل إلى صِبْغي 22. وجد غريفين في سنة 1983، أن التغيير الجيني يؤدي إلى انتقال جين يدعى Abl من صِبْغي 9 إلى 22، وهناك يستقر بجانب الجين Bcr لتكوين جين مشترك يدعى Bcr/abl. يؤدي الجين الجديد إلى تكوُّن بروتين جديد يدعى BCR/ABL وهو بروتين وَرَمِي (Oncogene)، أي يؤدي إلى السرطان، وهو يستعمل كل الطرق لكي تنقسم الخلايا التي تحويه بسرعة أكبر من الخلايا العادية. أعلن بلتيمور في سنة 1990، أن إدخال هذا الجين لفئران المختبر، يؤدي إلى الإصابة بالـ CML، أي أن جينًا واحدًا يسبب مرضًا واحدًا.

علاج ابيضاض الدم النقوي المزمن

إنه بالرغم من فهم الآلية التي تؤدي إلى ظهور المرض وتقدمه، فما زالت القرارات الطبية لعلاج الـ CML من القرارات الصعبة في مجال الطب. يجب أن يكون العلاج موجهًا لتصليح الخلل في عدد الخلايا في الدم، ولكن أيضًا يجب التخلص من صِبْغي فيلادلفيا أو الأصح، البروتين BCR/ABL. إن هدف العلاج الأولي التخفيض من عدد خلايا الدم البيضاء، وهو عبارة عن علاج كيميائي عن طريق الفم. إن أكثر دواء شائع استعماله هو Hydroxyurea. يمكن لهذا العلاج أن يؤدي إلى تراجع في عدد خلايا الدم، ولكن ليس له تأثير على صِبْغي فيلادلفيا.

يؤدي العلاج بواسطة إنترفيرون ألفا (Interferon alfa) إلى تراجع بعدد الخلايا في الدم لدى 70%-80% من المرضى، ولكن لدى 10%-15% منهم فقط، يكون هنالك تراجع في الجينات.

إن العلاج الوحيد المعروف اليوم، أنه يمكن أن يؤدي إلى تعافي تام من المرض، هو زرع نخاع عظمي من متبرع. يجب أن يتم الزرع في المرحلة المزمنة من المرض. لأنه من الصعب التنبؤ كم هي مدة المرحلة المزمنة عند المريض، ينصح بتنفيذ عملية الزرع خلال سنة من التشخيص. تنبع المعضلة الصعبة التي يواجهها المريض والطبيب، من أن معدل الوفاة في الزرع في الـ CML قريب من الـ 25%. بالإضافة لذلك، فالزرع محفوظ للمرضى في سن الشباب الذين لديهم متبرع ملائم.

إن من المعروف أن جينًا واحدًا هو المسؤول عن المرض. كنتيجة لذلك، على مدار السنين كانت هنالك محاولات لإيجاد علاج موجه ضد جين Bcr/abl. وجدت شركة نوفرتيس (Novartis)، قبل 5 سنوات تقريبًا، بعد فحص مئات المواد، مادة تدعى "مثبط التيروزين كيناز النوعي"
STI 571 – Specific tyrosine  Kinase inhibitor الذي يدعى غليفيك (Glivec). فقد وجد أن هذه المادة هي مثبط (Inhibitor) محدد (نوعي) ضد بروتين BCR/ABL. إن حسنات هذا العلاج أنه يعطى عن طريق الفم، والتأثيرات الجانبية قليلة مقارنة بالإنترفيرون.

لقد أدت آلية عمل الغليفيك (Glivec) إلى تطور آمال ووعود كبيرة في هذا المجال، ويعزز تطوير هذا الدواء طريقة العلاج الموجه (Targeted therapy) في السرطان. إن على بروتين الـ BCR/ABL أن يمر بعملية فَسْفَرَة لكي يصبح ذا فعالية. تحصل عملية الفَسْفَرَة بواسطة ارتباط جُزَيْءِ ال ATP، وهو جُزَيْءُ الطاقة في الخلية. يتصل الغليفيك (Glivec) في موقع ارتباط الـ ATP، وكنتيجة يمنع عملية الفَسْفَرَة في البروتين ويحوله إلى غير فعال.

ليس هنالك إثبات حتى الآن، أن الغليفيك (Glivec) قادر على شفاء مرضى الـ CML، لذلك يميلون اليوم، إلى البدء بهذا العلاج ولكن إذا لم يكن هنالك تجاوب سريع له، ينصح بالاستمرار للخطوة التالية، وهي زرع نخاع عظمي لدى المرضى الذين وجد لهم متبرع ملائم.

Clean Description

ملخص: سرطان الدم النقوي المزمن (CML) هو مرض خبيث ينشأ من الخلايا الجذعية في النخاع العظمي، ويتميز بوجود صبغي فيلادلفيا وثلاث مراحل تطورية. تهدف العلاجات الحالية إلى السيطرة على المرض وقد تشمل زرع النخاع العظمي أو العلاجات الموجهة مثل غليفيك.

مرض ابيضاض الدم النقوي المزمن (Chronic myelocytic leukemia - CML) هو سرطان ينشأ من خلية جذعية في النخاع العظمي تتحول إلى خلية سرطانية، ومنها تتطور جميع خلايا الدم. تبلغ نسبة الإصابة حوالي 1 لكل 100,000 شخص، ويشكل CML ما نسبته 10-15% من حالات اللوكيميا لدى البالغين. يتميز المرض بميزتين رئيسيتين: وجود صبغي فيلادلفيا، وسير المرض عبر ثلاث مراحل (المزمنة، المتسارعة، والأرومية) التي تعكس تطور السرطان.

المرحلة المزمنة:

يتم تشخيص غالبية المرضى في المرحلة المزمنة. يُكتشف المرض صدفةً لدى 20-30% من الحالات عند إجراء فحص عدّ دموي شامل يظهر ارتفاعًا في عدد خلايا الدم البيضاء. تشمل العلامات الأخرى في هذه المرحلة:

تضخم الطحال، يحدث لدى 86-90% من المرضى، وقد يكون بدون أعراض أو مصحوبًا بألم في الجزء العلوي الأيسر من البطن. التضخم الشديد قد يسبب شعورًا بالشبع المبكر أو احتشاءات في الطحال.

فقر الدم (Anemia)

تضخم الكبد:

أعراض أخرى تشمل: الوهن العام، فقدان الشهية، نقص الوزن، التعرق، وارتفاع طفيف في درجة الحرارة.

قد يرتفع عدد خلايا الدم البيضاء بشكل كبير جدًا، مما قد يؤدي إلى انسداد الأوعية الدموية الصغيرة، ومن مضاعفاته الانتصاب المستمر (القساح).

تستمر المرحلة المزمنة في المتوسط من 3 إلى 4 سنوات، ولكنها قد تستمر من بضعة أشهر إلى عدة سنوات.

المرحلة المتسارعة:

كما في العديد من السرطانات، يمكن أن يتطور مرض CML. في معظم الحالات، يحدث التطور إلى النوبة الأرومية عبر مرحلة متسارعة، حيث تظهر أعراض مثل آلام العظام، الحمى، نقص الوزن. تتميز المرحلة المتسارعة بالتالي:

- ارتفاع غير منضبط في عدد خلايا الدم البيضاء.

- فقر الدم و/أو نقص الصفيحات الدموية دون استجابة للعلاج.

- تضخم سريع في الطحال.

- ظهور حوالي 10% من الخلايا الخبيثة في نخاع العظم.

يمكن أن تستمر هذه المرحلة من بضعة أسابيع إلى بضعة أشهر، وتعتبر مؤشرًا على التطور إلى المرحلة النهائية (النوبة الأرومية).

النوبة الأَرومِيَّة:

النوبة الأرومية هي ابيضاض دم حاد يظهر لدى 75-85% من مرضى CML. يوجد احتمال سنوي بنسبة 25% لتطور المرض إلى هذه المرحلة لدى المريض. تُعرف المرحلة بوجود أكثر من 30% من الخلايا السرطانية في الدورة الدموية أو في نخاع العظم. يمكن أن تظهر خلايا سرطانية من جميع الأنواع لأن الخلية الأصلية هي خلية جذعية متعددة القدرات. مآل المرض سيء جدًا، ومتوسط البقاء على قيد الحياة يتراوح بين 3-6 أشهر.

الصِّبْغي فيلادلفيا (Philadelphia chromosome):

تم اكتشاف صبغي فيلادلفيا في عام 1960 على يد نويل وهانغفرد من فيلادلفيا، حيث وجد أن جميع مرضى CML يحملون صبغيًا أصغر من الطبيعي (صبغي 22). في عام 1973، أثبتت جانيت راولي أن جزءًا من صبغي 22 ينتقل إلى صبغي 9، والعكس، في عملية تبادل. في عام 1983، وجد غريفين أن هذا الانتقال يؤدي إلى انتقال جين Abl من صبغي 9 إلى 22 ليتحد مع جين Bcr، مكونًا جينًا هجينًا يُسمى Bcr/abl. ينتج عن هذا الجين بروتين جديد هو BCR/ABL، وهو بروتين ورمي يحفز الخلايا على الانقسام بسرعة أكبر من الخلايا الطبيعية. في عام 1990، أظهر بلتيمور أن إدخال هذا الجين إلى فئران التجارب يؤدي إلى ظهور CML، مما يؤكد أن جينًا واحدًا يمكن أن يسبب هذا المرض ويرتبط بالسرطان.

علاج ابيضاض الدم النقوي المزمن

على الرغم من فهم الآليات المسببة للمرض، فإن قرارات علاج CML تظل صعبة. يجب أن يهدف العلاج إلى تصحيح خلل تعداد الدم، والتخلص من صبغي فيلادلفيا (بروتين BCR/ABL). العلاج الأولي يهدف إلى خفض عدد خلايا الدم البيضاء باستخدام العلاج الكيميائي الفموي، وأكثر الأدوية شيوعًا هو الهيدروكسي يوريا (Hydroxyurea). يمكن أن يؤدي هذا العلاج إلى تقليل عدد خلايا الدم، لكنه لا يؤثر على صبغي فيلادلفيا.

العلاج بالإنترفيرون ألفا يؤدي إلى انخفاض في عدد خلايا الدم لدى 70-80% من المرضى، ولكن فقط 10-15% منهم يظهرون تراجعًا في الجينات.

العلاج الوحيد المعروف حتى اليوم الذي يمكن أن يؤدي إلى شفاء تام هو زرع نخاع عظمي من متبرع. يجب إجراء الزرع في المرحلة المزمنة، وينصح بإجرائه خلال السنة الأولى من التشخيص بسبب صعوبة التنبؤ بمدة هذه المرحلة. لكن المعضلة أن معدل الوفاة المرتبط بالزرع يقارب 25%، بالإضافة إلى أن الزرع يقتصر على المرضى الشباب الذين لديهم متبرع مناسب.

نظرًا لأن جينًا واحدًا (Bcr/abl) هو المسؤول عن المرض، فقد تم تطوير علاج موجه ضده. قبل حوالي خمس سنوات، اكتشفت شركة نوفارتيس بعد فحص مئات المواد مادة تسمى 'مثبط التيروزين كيناز النوعي' (STI 571 - Specific Tyrosine Kinase Inhibitor)، والمعروف باسم غليفيك (Glivec). تعمل هذه المادة كمثبط نوعي لبروتين BCR/ABL. من مميزات هذا العلاج أنه يعطى عن طريق الفم
STI 571 – Specific tyrosine  Kinase inhibitor وآثاره الجانبية أقل مقارنة بالإنترفيرون.

آلية عمل غليفيك تعزز آمالًا كبيرة في علاج السرطان الموجه. يعمل الدواء عن طريق الارتباط بموقع ارتباط ATP على بروتين BCR/ABL، مما يمنع عملية الفسفرة اللازمة لتفعيل البروتين، وبالتالي يثبط نشاطه.

لا يوجد حتى الآن دليل على أن غليفيك يمكنه شفاء مرضى CML تمامًا، لذلك يميل الأطباء حاليًا إلى البدء بهذا العلاج، وإذا لم يظهر استجابة سريعة، يُنصح بالانتقال إلى زرع نخاع العظم للمرضى الذين لديهم متبرع مناسب.